أحمد بن أعثم الكوفي

344

الفتوح

ذكر انصراف معاوية عن مكة وما يلي به من سفره من المرض وخبر وفاته قال : ثم رحل معاوية ، فلما صار بالأبواء ( 1 ) ونزلها قام في جوف الليل لقضاء حاجته فاطلع في بئر الأبواء ، فلما اطلع فيها اقشعر جلده وأصابته اللقوة في وجهه ( 2 ) فأصبح لما به ، فدخل عليه الناس يعزونه ويتوجعون له مما قد نزل به ، فقال : أيها الناس ! إن المؤمن ليصاب بالبلاء فإما معاقب بذنب وإما مبتلى ليؤجر ، وإن ابتليت فقد ابتلى الصالحون من قبلي ، وأنا أرجو أن أكون منهم ، وإن مرض مني عضو فذلك بأيام صحتي وما عوفيت أكثر ، ولئن أعطيت حكمي فما كان لي على ربي أكثر مما أعطاني لأني اليوم ابن بضع وسبعين ( 3 ) ، فرحم الله عبدا نظر إلي فدعا لي بالعافية ، فإني وإن كنت غنيا عن خاصتكم لقد كنت فقيرا إلى عامتكم . قال : فدعا الناس له بخير وخرجوا من عنده . وجعل معاوية يبكي لما قد نزل به ، فقال له مروان بن الحكم : أجزعا يا أمير المؤمنين ؟ فقال : لا يا مروان ! ولكني ذكرت ما كنت عنه عزوفا ثم إني بليت في أحسني وما ظهر للناس مني ، فأخاف أن يكون عقوبة عجلت لي لما كان مني من دفعي بحق علي بن أبي طالب ، وما فعلت بحجر بن عدي ( 4 ) وأصحابه ، ولولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي وعرفت قصدي . قال : ثم رحل معاوية عن ذلك المكان حتى صار إلى الشام ، فدخل إلى منزله واشتد عليه مرضه . وكان في مرضة يرى أشياء لا تسره حتى كأنه ليهذي هذيان المدنف ( 5 ) وهو يقول : اسقوني اسقوني ! فكان يشرب الماء الكثير فلا يروى . وكان ربما غشي عليه اليوم واليومين ، فإذا أفاق من غشوته ينادي بأعلى صوته : ما لي

--> 1 ) الأبواء : جبل على يمين آرة ، ويمين الطريق المصعد إلى مكة من المدينة . ( 2 ) في الطبري : وكان به النفاثات . وفي ابن الأثير 2 / 524 التفاتات . ( 3 ) في تاريخ اليعقوبي 2 / 239 ابن سبع وسبعين سنة ، ويقال : ثمانين سنة . ( 4 ) وكان زياد بن أبيه قد أخذ حجر بن عدي وجماعة من أصحابه - ثلاثة عشر رجلا - وأشخصهم إلى معاوية وكتب إليه أن خالفوا الجماعة وزروا على الولاة وأنفذ شهادات قوم عليهم بذلك فقتل معاوية حجرا وستة آخرين وذلك في سنة 52 ه‍ . ( الطبري - ابن الأثير - اليعقوبي ) . ( 5 ) قال مرة : كم بيننا وبين الغوطة ؟ فصاحت بنته : واحزناه ! فقال : إن تنفري فقد رأيت منفرا ( الكامل لابن الأثير 2 / 525 ) .